أخبار الموقع

اكتشف نفسك وكن أنت


"عندما كنت طفلة صغيرة كنت خجولة وشديدة الحساسية، لقد كنت ممتلئة القوام وكانت وجنتاي تجعلانني أبدو أكثر امتلاءاً، وكانت أمي سيدة محافظة ومتمسكة بالتقاليد القديمة، وكانت تعتقد أنه من الحماقة أن نجعل ملابسنا تبدو زاهية، كانت دائماً تذكر أنه يمكن ارتداء الملابس المتسعة، وكانت تختار لي الملابس التي تتماشى مع هذا الأسلوب.

وعندما ذهبت إلى المدرسة، لم أشارك أبداً في النشاطات الخارجية للأطفال الآخرين، أو جتى في الأنشطة الرياضية، لقد كنت خجولة بدرجة مرضية، وكنت أشعر أنني مختلفة عن الآخرين، وأنني غير محبوبة تماماً.

وعندما كبرت تزوجت من رجل يكبرني في العمر بعدة سنوات، لكنني لم أتغير أبداً، لقد كانت عائلة زوجي عائلة متزنة، يتمتع أفرادها بالثقة في النفس ورباطة الجأش، وكانوا يتميزون ببساطة بكل الصفات التي كانت تنقصني، وحاولت كثيراً أن أكون مثلهم، لكنني لم أتمكن من ذلك، وكانت كل محاولة يبذلونها لإخراجي من تلك القوقعة التي كونتها حول نفسي تبوء بالفشل، بل كانت تؤدي إلى زيادة حالتي سوءاً، فأصبحت عصبية وسريعة الغضب والانفعال وتجنبت كل الأصدقاء، حتى أنني كنت أخاف من صوت رنين جرس الباب.

لقد كنت فاشلة وكنت على بينة من ذلك، وأخشى أن يكتشفه زوجي، لذا فمتى كنا في وسط مكان عام، كنت أبدو مرحة، ولكنني كنت أفعل ذلك بصورة مبالغ فيها، وكنت على علم بذلك، لذا كنت أشعر بالتعاسة واليأس والحزن على نفسي لعدة أيام، وفي النهاية أصبحت شديدة الكآبة، حتى أنني لم أعد أرى أي معنى لحياتي، وبدأت أفكر في الانتحار...."

تلك كانت قصة "نادية" ولكن ما الذي حدث لتغيير حياة هذه المرأة التعيسة؟؟؟ هل تصدق أن السبب كان مجرد ملاحظة عابرة؟؟

تواصل نادية:

" لقد أدت ملاحظة صغيرة إلى تغيير حياتي كلها، وذات يوم كانت حماتي تتحدث عن الطريقة التي قامت بها بتنشئة أبنائها عليها، وقالت: "مهما حدث فقد حرصت على أن يكونوا دوماً أنفسهم".

وكانت هذه هي الملاحظة التي تحدثت عنها نادية والتي غيرت حياتها وإلى الأبد، لأنها خلال لحظة واحدة أدركت أنها السبب في جلب التعاسة إلى نفسها وذلك من جراء اتباع أسلوب أو طريقة حياة لا تناسبها.

وتغيرت حياتها تغيراً جذرياً!! فبدأت أن تكون نفسها، حاولت أن تقوم بدراسة حول شخصيتها، حاولت أن تعرف ما كانت تتميز به شخصيتها، وقامت بدراسة نقاط القوة لديها.

وتعلمت كل ما يمكنها تعلمه عن الألوان والأنماط، وبدأت في ارتداء الملابس بالطريقة التي تشعر أنها تناسبها، وتمكنت من اكتساب صداقات، وبعد ذلك اشتركت في بعض الأنشطة الاجتماعية والتي كانت صغيرة في البداية، ولا أخفيكم أن نادية كانت تشعر بالبداية بخوف شديد عندما وضعوها ضمن أحد البرامج،ولكن في كل مرة كانت تتحدث فيها، كانت تكتسب قليلاً من الشجاعة، واستغرق ذلك منها فترة طويلة من الوقت، لكنها اليوم تتمتع بقدر من السعادة أكبر مما حلمت به طوال حياتها، وفي فترة تربية أبنائها كانت تحرص دوماً على تعليمهم الدرس الذي كان عليها تعلمه من مثل تلك التجربة المريرة وهو:

"مهما يحدث فعليك دائماً أن تكون نفسك".

إن مشكلة عدم استعداد الانسان لتقبل نفسه وشخصيته كما هي قديمة قدم التاريخ، كما أنها منتشرة بين البشر على اختلاف جنسياتهم ، وهذه المشكلة وراء العديد من الأمراض والعقد النفسية.

أذكر أنه ذات مرة أوكلت لي من قبل المدير العام للشركة التي كنت أعمل بها في دبي مهمة اختيار موظف سيعمل تحت إدارتي، وأذكر أن أكبر خطأ كان يرتكبه كل من تقدم لتلك الوظيفة وهم بالتأكيد على علم بذلك، أنهم كانوا يتظاهرون بغير حقيقتهم، فبدلاً من الحديث بصراحة وصدق، يحاولون أحياناً إعطاء إجابات يظنون أنها هي المطلوبة، إلا أن هذا لا يجدي، فمن يحب التعامل مع شخص زائف ومتظاهر؟!

أذكر أيضاً عندما كنت أرافق جدي وأنا طفلة صغيرة أثناء جولته التفقدية الصباحية على عمال معمله - معمل النسيج – في حلب، ما زلت أذكر العامل أحمد الذي أمضى سنوات من حياته في لف وإدارة الخيوط دون أن ينطق بكلمة واحدة، ولم يصل لأي شيء سوى الملل من عمله والتفكير بتركه، حتى تمكن من اكتشاف موهبته الفريدة في فن الدعاية والترويج، وبدأ في الحديث أثناء إدارته للخيوط، بل إن جدي قام يترقيته وضمه لفريق التسويق الخاص بعمله.

لابد أن هناك في حياة الانسان وقتاً يدرك فيه أن حسد الآخرين جهل، وأن تقليد الآخرين انتحار، وأن على الانسان أن يتقبل ذاته كما هي، كما أن عليه أن يدرك أنه على الرغم من أن الكون المتسع مليء بالحيرة إلا أنه لا يمكن لحبة قمح أن تنبت له  دون قدرة الله ومن ثم كدحه وعنائه الذي يبذله في تلك المساحة التي وهبه الله إياها لفلاحتها وحرثها بنفسه، إن القوى والطاقة الموجودة بداخله متجددة وغير متكررة.

إن لم تتمكن من أن تكون طريقاً عاماً، فكن ممراً ضيقاً، وإن لم تتمكن من أن تكون شمساً ، فكن نجماً.

إنك لا تفوز أو تخسر تبعاً لحجمك، فكن في أفضل حال يمكنك أن تكون عليها، وتذكر أنه مهما كان حجم بقعة العتمة الموجودة بداخلنا..لابد أن هناك مساحة من نور تحتاج إلى أن تكتشفها أنت بنفسك.

 

بقلم: ريان بابي
ماجستير في إدارة التكنولوجيا
واختصاصية في التنمية الذاتية

ليست هناك تعليقات

Sora Templates جميع الحقوق محفوظة © Roua Kayal